الشيخ محمد هادي معرفة

220

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ولإدراك واقع الحال علينا أن نقلب بعض صفحات التاريخ . فلنلتفت إلى الماضي التفاتة قصيرة لنرى المبادئ الدينية التي كانت قائمة آنذاك ، أي عندما جاء نبيّ الإسلام مبشّرا برسالته . ولنبدأ بفكرة الربوبية : كانت هذه تختلف بين العرب الأقوياة ، وفقا لثقافة الفرد أو القبيلة . فهي ترتقي عند بعضهم إلى درجة الأُلوهية أو تأليه الطبيعة ، بينما هي عند بعضهم الآخر تنحدر إلى مجرّد عبادة الأوثان وتقديس قطعة من العجين أو عصا أو حجر . كان بعضهم يؤمن بالحياة الأخرى ، أمّا البعض الآخر فليست لديهم أيّة فكرة عنها من أيّ نوع كان . وكذلك فإنّ العرب قبل الإسلام كانوا يعبدون غاباتهم الصغيرة وأشجار الوحي فيها - حسب زعمهم - وكان لهم كاهناتهم مثل فنيقي سوريا . هكذا كان عالم الأعراب سابحا في دوّامة من المبادئ التي لا يكاد يصدّقها العقل حول مثاليّة الإله سيّد الجميع . * * * أمّا اليهود - الذين حافظوا بعض الشيء على فكرة التوحيد - فإنّهم أنفسهم قد شوّهوا مقدارا من تلك الفكرة ومسخوها مسخا . « 1 » كان اليهود قد وفدوا إلى شبه جزيرة العرب على عدّة فترات ، ولاشكّ أنّ الصفات المميّزة التي قادت الإسرائيليين مرارا إلى الميل ثمّ التردّي في عبادة الأوثان في ديارهم الأصلية قد ازدادت عند هجرتهم إلى الجزيرة بتأثّرهم بوثنية إخوانهم العرب ، وكان ذلك طبيعيا ، وقد كان لدى اليهود فكرة ربّ إبراهيم أن يضمّوا إليها مفهوما مادّيا للخالق . وكانت عبادة الناموس منحرفة إلى درجة الوثنية بين آخر مجموعة يهودية وفدت إلى الجزيرة . وكانوا يحترمون الكتبة والأحبار ويقدّرونهم إلى حدّ تقديسهم . « 2 » وكان هؤلاء الأحبار ينظرون إلى أنفسهم على اعتبار أنّهم صفوة

--> ( 1 ) - « وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ » التوبة 30 : 9 . ( 2 ) - « اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ » التوبة 31 : 9 .